عبد الجبار الرفاعي
55
محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية
متى يجوز عقلا التعجيز ؟ المكلف تارة يترك الواجب مع قدرته على ايجاد هذا الواجب ، فيكون بذلك عاصيا ، كما لو ترك الصلاة مع قدرته عليها ، فيستحق العقاب ، بحكم العقل ؛ لأنه عصى مولاه . وتارة أخرى لا يترك المكلف الواجب مع قدرته على ايجاده ، وانما يتسبب في تعجيز نفسه عن الاتيان بالواجب ، ولهذا التعجيز صورتان : الأولى : أن يعجّز الانسان نفسه بعد تحقق الوجوب وفعليته ، كما لو جاء وقت الفريضة ( الصلاة ) على المكلف وكان لديه ماء فأراقه . فمما لا اشكال فيه ان مثل هذا المكلف يكون مستحقا للعقاب ، إذ لا يجوز عقلا ان يعجّز الانسان نفسه ؛ لأن هذا الفعل معصية ، ويستحق الانسان العقاب عليه . الثانية : ان يعجّز الانسان نفسه قبل تحقق الوجوب وفعليته ، كما لو أراق الماء قبل ان يأتي وقت الصلاة ، ففي مثل هذه الحالة قد يقال : ان هذا الانسان يعتبر عاصيا ؛ لأنه عندما اراق الماء قد بذّر ، والتبذير محرم ، ولكن كلامنا ليس في هذه الجهة ، بل الكلام فيما إذا عجّز الانسان نفسه قبل زمان الوجوب ، فهل يعتبر عاصيا من جهة نفس الوجوب أو لا ؟ الجواب : في مثل هذه الحالة لا يعتبر الانسان عاصيا ، فلو أراق الماء قبل الزوال ، وأصبح بذلك عاجزا عن الصلاة مع الطهارة بالوضوء في وقتها بعد الزوال ، لا يكون عاصيا بذلك ؛ لأن التكليف مشروط بالقدرة على متعلقه .